المقريزي
48
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وإذا خرج للحرب أو سفر طويل ، حمل على رأسه سبع جتوره ، منها اثنان مرصّعان ليس لهما قيمة « 1 » ، وله فخامة عظيمة وقوانين وأوضاع جليلة . والخانات والملوك والأمراء لا يركب أحد منهم في السّفر والحضر إلّا بالأعلام ، وأكثر ما يحمل الخان سبعة أعلام أقلّ ما يحمل الأمير ثلاثة ، وأكثر ما يجرّه الخان في الحضر عشر جنائب ، وأكثر ما يجرّ الأمير في الحضر جنيبان ، وأمّا في السّفر فحسبما يختار . وكان للسّلطان برّ وإحسان ، وفيه تواضع . ولقد مات عنده رجل فقير فشهد جنازته ، وحمل نعشه على عنقه . ، وكان يحفظ القرآن العزيز العظيم وكتاب « الهداية » في فقه الحنفيّة ، ويجيد علم المعقول ، ويكتب خطّا حسنا ، ولذّته في الرّياضة وتأديب النّفس ، ويقول الشّعر ويباحث العلماء ، ويؤاخذ الشّعراء ، ويأخذ بأطراف الكلام على كلّ من حضر على كثرة العلماء عنده . والعلماء تحضر عنده ، وتفطر في رمضان معه بتعيين صدر جهان لهم في كلّ ليلة . وكان لا يترخّص في محذور ، ولا يقرّ على منكر ، ولا يتجاسر أحد في بلاده أن يتظاهر بمحرّم . وكان يشدّد في الخمر ، ويبالغ في العقوبة على من يتعاطاه من المقرّبين منه . وعاقب بعض أكابر الخانات على شرب الخمر ، وقبض عليه ، وأخذ أمواله ، وجملتها أربع مائة ألف ألف مثقال وسبعة وثلاثين ألف ألف مثقال « 2 » ذهبا أحمر ، زنتها ألف وسبع مائة قنطار بالمصري . وله وجوه برّ كثيرة : منها أنّه يتصدّق في كلّ يوم بلكّين : عنهما من نقد مصر ألف ألف وستّ مائة ألف درهم ، وربّما بلغت صدقته في يوم واحد خمسين لكّا ، ويتصدّق عند كلّ رؤية هلال شهر بلّكين دائما ، وعليه راتب لأربعين ألف فقير ، كلّ واحد منهم درهم في كلّ يوم ، وخمسة أرطال برّ وأرز ، وقرّر ألف فقيه في مكاتب لتعليم الأطفال القرآن ، وأجرى عليهم الأرزاق . وكان لا يدع بدهلي سائلا ، بل يجري على الجميع الأرزاق ، ويبالغ في الإحسان إلى الغرباء .
--> ( 1 ) في مسالك الأبصار وصبح الأعشى : لا يقيّمان لنفاستهما . ( 2 ) في مسالك الأبصار وصبح الأعشى : ألف ألف مثقال وسبعة وثلاثين ألف مثقال .